أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

61

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أنهم قالوا في قوله تعالى : وَالسَّلامُ عَلَيَّ أن الألف واللام للعهد لتقدم ذكر السّلام في قوله تعالى : وَسَلامٌ عَلَيْهِ ، « 1 » وإن كان السّلام الواقع على عيسى هو غير السّلام الواقع على يحيى ، لاختصاص كل سلام بصاحبه من حيث اختصاصه به وهذا النقل المذكور عن الفراء في الألف واللام ينافي ما نقله عنه مكي فيهما اللهم إلا أن يقال : يحتمل أن يكون له مقالتان ، وليس ببعيد فإنه كلّما كثر العلم اتسعت المقالات . وقوله : الْمُفْسِدِينَ من وقوع الظاهر موقع ضمير المخاطب ، إذ الأصل لا يصلح عملكم فأبرزهم في هذه الصفة الذميمة شهادة عليهم بها . [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 82 إلى 83 ] وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ( 82 ) فَما آمَنَ لِمُوسى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ ( 83 ) وقرىء : بكلمته . بالتوحيد ، وقد تقدم نظيره . قوله : فَما آمَنَ . الفاء : للتعقيب ، وفيها إشعار بأن إيمانهم لم يتأخر عن الإلقاء بل وقع عقيبه ، لأن الفاء تفيد ذلك ، وقد تقدم توجيه تعدية « آمَنَ » « 2 » باللام والضمير في قوله فيه وجهان : أحدهما - وهو الظاهر - : عوده على « موسى » ، لأنه هو المحدث عنه ، ولأنه أقرب مذكور ، ولو عاد على « فِرْعَوْنَ » لم يكرر لفظه ظاهرا ، بل كان التركيب على خوف منه ، وإلى هذا ذهب ابن عباس وغيره . والثاني : أنه يعود على « فِرْعَوْنَ » ويروى عن ابن عباس أيضا ، ورجح ابن عطية هذا وضعف الأول ، فقال : « ومما يضعف عود الضمير على « موسى » أن المعروف من أخبار بني إسرائيل كانوا قد فشت فيهم النبوات وكانوا قد نالهم ذل مفرط ، وكانوا يرجون كشفه بظهور مولود ، فلما جاءهم موسى اتفقوا عليه وبايعوه ، ولم يحفظ أن طائفة من بني إسرائيل كفرت بموسى ، فكيف تعطى هذه الآية : أن الأقل منهم : كان الذي آمن به ، فالذي يترجح عوده على « فِرْعَوْنَ » ، ويؤيده أيضا ما تقدم من محاورة موسى ورده عليهم وتوبيخهم . قوله : عَلى خَوْفٍ حال أي : آمنوا كائنين على خوف ، والضمير في « وَمَلَائِهِمْ » فيه أوجه : أحدها : أنه عائد على « الذّرّية » وهذا قول أبي الحسن ، واختيار ابن جرير أي : خوف من ملأ الذرية وهم أشراف بني إسرائيل . الثاني : أنه يعود على « قَوْمِهِ » بوجهيه ، أي : سواء جعلنا الضمير في قوله ل « موسى » أو ل « فِرْعَوْنَ » أي : وملأ قوم موسى أو ملأ قوم فرعون . الثالث : أنه يعود على « فِرْعَوْنَ » ، واعترض على هذا بأنه كيف يعود ضمير جمع على مفرد ، وقد اعتذر أبو البقاء عن ذلك من وجهين : أحدهما : أن فرعون لما كان عظيما عندهم عاد الضمير عليه جمعا كما يقول العظيم : نحن نأمر . وهذا فيه

--> ( 1 ) سورة مريم ، آية : ( 15 ) . ( 2 ) أنظر سورة البقرة ، آية : ( 37 ) .